ابن قتيبة الدينوري
28
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
بوجع فان قال لنا ما اليدان هاهنا قلنا له هما اليدان اللتان تعرف الناس كذلك ، قال ابن عباس في هذه الآية « اليدان اليدان » وقال النبي صلى الله عليه وسلم « كلتا يديه يمين » فهل يجوز لأحد ان يجعل اليدين هاهنا نعمة أو نعمتين وقال لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 1 » فنحن نقول كما قال الله تعالى وكما قال رسوله ولا نتجاهل ولا يحملنا ما نحن فيه من نفي التشبيه على أن ننكر ما وصف به نفسه ولكنا لا نقول كيف اليدان وان سئلنا نقتصر على جملة ما قال ونمسك عما لم يقل ، وتأويل الآية ان اليهود قالت يد الله مغلولة اي ممسكة عن العطاء فضرب الغل في اليد مثلا لأنه يقبض اليد عن أن تمتد وتنبسط كما تقبض يد البخيل فقال الله تعالى غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ اي قبضت عن العطاء والانفاق في الخير والبر وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ بالعطاء يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 2 » ومثله قوله إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ « 3 » اي قبضنا أيديهم عن الانفاق في سبيل الله بموانع كالاغلال . وما قول النبي صلى الله عليه وسلم « كلتا يديه يمين » فإنه أراد معنى التمام والكمال لأن كل شيء فمياسره تنقص عن ميامنه في القوة والبطش والتمام وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر لما في اليمين من التمام وفي اليسار من النقص ولذلك قيل اليمن والشؤم فاليمن في اليد اليمنى والشؤم في اليد الشؤمى وهي اليسرى وقالوا فلان ميمون من اليمين
--> - قرينة مانعة من إرادة الموضوع له . ( 1 ) تأويل « كلتا يديه » بمعنى كامل العطاء و ( لما خلقت بيدي ) بمعنى لما خلقت بعناية خاصة من أحسن ما يذكر لهما من المعاني المطابقة لاستعمالات العرب . واجراء ما ورد في الكتاب والسنة على اللسان كما ورد من غير ابداله بما يظن أنه مرادف له ومن غير جعل صيغة الفعل أو الإضافة صيغة صفة ومن غير خوض في معناه مذهب السلف الصالح وهم المفوضة ، وتدور أقوال المصنف بين التأويل مرة والتفويض أخرى ولو استمر على الثاني لما اخذ به في كثير من المواضع . ( 2 ) المائدة 64 ( 3 ) سورة يس آية 8